م2015-635708215642731470-273_main.jpgضى أكثر من شهر ونصف الشهر على تعيين حكومة مدنية في السودان، ولم تظهر إشارات واضحة تشي بالتفاؤل حول قرب رفع اسم السودان من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب، كأحد المطالب الرئيسية للشعب والدولة، بل جاءت تصريحات رسمية صادمة قالت إن هذه الخطوة “عملية قانونية غير معلومة الأجل”، وقبلها نفت واشنطن وعد عبداللـه حمدوك رئيس الحكومة برفع اسم بلاده.

أحبطت التلميحات المتتالية من راهنوا على تحرك أميركي كبير يساعد السودان على تخطي جانب مهم من العقبات التي تعتري طريقه الاقتصادي، فوضع اسم الخرطوم على قائمة الإرهاب يقلص فرص الحصول على مساعدات مادية سخية من المجتمع الدولي، ويقف حائلا أمام بعض التطورات السياسية العميقة في هذه المرحلة، ويسيء إلى الخطوات الإيجابية التي قطعها السودانيون في التخلص من نظام الرئيس عمر حسن البشير، وإرثه الأمني.

كما أنه يخالف التوقعات التي ذهبت إلى صهر السودان ضمن الكتيبة الإقليمية والدولية التي تبغي الأمن والاستقرار، ويضع عليه مجموعة كبيرة من علامات الاستفهام، ويخالف تقديرات دول كثيرة، مثل فرنسا وألمانيا ومصر والسعودية والإمارات، وعدت علنا بالمساهمة في حذف اسمه من اللائحة الأميركية، ويسير عكس اتجاه واشنطن التي رحبت بالثورة السودانية والحكومة المدنية وأشادت ببطولة المواطنين الذين تصدوا بجسارة للآلة العسكرية.

تجاهل الكثير من المسؤولين في السودان تفسير أسباب التعثر، حتى رئيس الوزراء أكد مؤخرا أنه “أحرز تقدما كبيرا مع الجانب الأميركي”، مع ذلك لن تتبلور ملامح عملية تشير إلى رفع اسم السودان، ربما كان وزير المالية إبراهيم البدوي الأكثر شفافية في هذا السياق، عندما قال في 24 سبتمبر الماضي “واشنطن أبلغتنا بصعوبة رفع اسم السودان بسبب وجود تعقيدات”، ولم يفسر البدوي أو غيره طبيعتها. بالرجوع إلى بدايات الحديث في هذه القضية، يمكن معرفة جوانب من دوافع التأجيل، فمعروف أن قرار وضع أي دولة على هذه اللائحة يمر بمراحل كثيرة، إدارية وسياسية، في الولايات المتحدة حتى يتم التصديق عليه.

وفي حالة السودان جاء النقاش الإداري حول القضية في أجواء يحتدم فيها الشد والجذب بين الكونغرس والبيت الأبيض بشأن مصير الرئيس دونالد ترامب وإمكانية صدور قرار عزله، ما يجعل قضية السودان تتوارى كثيرا، لأنها ورقة قد يستثمرها أحد الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي، في صراعهما السياسي بالسلب أو بالإيجاب، وربما يكون ترحيل البت فيها خيارا يرضي الطرفين الآن. على المستوى السياسي، ربطت واشنطن في 8 أغسطس الماضي، على لسان ديفيد هيل وكيل وزارة الخارجية الأميركية، بين رفع اسم السودان وبين “التحول إلى حكومة مدنية، والاستجابة للشواغل الأميركية المتعلقة بمكافحة الإرهاب”. وهي العبارة السريالية التي يستوجب التوقف عندها، لأنها تساعد على فك بعض الألغاز في ملف الصعود والهبوط الآمن في العلاقات بين واشنطن والخرطوم.

عند تحليل الجملة الأخيرة، والتي لم يقف عندها كثيرون تحت وطأة الحماس العاطفي لتجربة السودان، يمكن أن تحمل دلالات مختلفة، فالحكومة المدنية تشكلت فعلا برئاسة حمدوك، كمرشح لتحالف الحرية والتغيير والقوى المدنية، وتم اختيار نصف أعضاء مجلس السيادة من المدنيين، لكن لا يزال النصف الآخر من العسكريين، ما يعني أن السلطة الانتقالية الحالية تحتوي على مكون عسكري غير خفي، بما يقلل من القيمة التي اشترطتها واشنطن والخاصة بحكومة مدنية خالية من دسم الجيش ومشاركته مباشرة. تؤدي هذه الثغرة إلى فتح الباب لكثير من الشياطين السياسية في الولايات المتحدة، وسط ظروف تكتنفها التباسات في العلاقة بين الإدارة الأميركية والكونغرس، باعتبارهما جهتين رئيسيتين منوطة بهما شرعنة المعاقبة والمكافأة. وهذا يُفهم منه أن رفع السودان سوف يستغرق نحو ثلاث سنوات، مدة الفترة الانتقالية. ي

بدو هذا الاستنتاج صحيحا، نظريا، لكن عمليا يتوقف على مدى المساهمة السياسية للمكون العسكري في مجلس السيادة والسلطة الانتقالية عموما، والمسافة التي من حقها التوغل فيها. وحتى الآن تقدمت الحكومة المدنية، وأخذت على عاتقها تسيير الكثير من الأمور، وتوارت أذرع الجيش في أجهزة متعددة، ويكاد يكون دور المؤسسة العسكرية محصورا في الشق الأمني، وهو ما تراهن عليه الإدارة الأميركية، ويمثل الربط الضمني بين رفع اسم السودان وبين تعاظم دور الجناح العسكري في السلطة، طريقا سلسا لدعم النكوص عن الحكم المدني. سواء كان هذا المحدد مقصودا أم لا، ففي كل الأحوال يمنح الحكومة المدنية مزايا لتكريس مهامها في السلطة، ويقوّض أي دور نشط للجناح العسكري فيها، على الأقل في ما يتعلق بالقرارات السياسية الحاسمة، الخارجية والداخلية. لكنه يحد من طموحات الحكومة في التعويل على تدفق الاستثمارات ورفع الكوابح الأميركية التي تعطل مرورها إلى السودان الذي لا يزال رسميا في القائمة السوداء. لعل الخرطوم انتبهت إلى هذه العقدة جيدا، وبدأ رئيس الحكومة يخاطب مباشرة دولا عدة، مستفيدا من التصريحات الإيجابية من الولايات المتحدة وغالبية دول العالم، وجميعها تثمن جهوده في إخراج السودان من الحلقة القاتمة التي دخلتها البلاد منذ ثلاثة عقود بموجب نظام “الإنقاذ”، وهو ما يمكن توظيفه في تطوير العلاقات الإقليمية والدولية وما تحمله من مردودات مادية، وتفريغ عنصر القائمة الأميركية من المضامين السياسية والاقتصادية. تنطوي الزيارات التي قام بها حمدوك لكل من مقر الأمم المتحدة والإمارات والسعودية وفرنسا ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا، على إشارات ملموسة في هذا الاتجاه، وتؤكد أن أمام الخرطوم أفقا واعدا لتكون واحدة من العواصم ذات الصفة الطبيعية مع العالم، الأمر الذي يخفض محتوى التأثيرات لو بقي السودان لفترة أخرى على اللائحة الأميركية. مع ذلك فالمشكلة تظل أكبر من تجاوز الحكومة تكتيكيا لعقبة في مجال طموحاتها، حيث يحيل الجزء الثاني من الشرط الأساسي إلى “الاستجابة للشواغل الأميركية المتعلقة بمكافحة الإرهاب”.

فإذا كان الشعب السوداني أسقط حكم البشير وهمّش دور الحركة الإسلامية، وجرى تشكيل سلطة انتقالية تشدد على أنها بعيدة كل البعد عن روافدهما، فما هي طبيعة الشواغل؟

معروف أن لائحة الدول الراعية للإرهاب لا تخلو من أهداف سياسية معينة، دفعت إلى اختيار كوريا الشمالية وسوريا وإيران والسودان، غير أن هذه الأهداف تنطلق من أدلة حقيقية، وقد يتم التغاضي عن دولة تقوم بالدور ذاته، أو أكثر أو أقل، لكن الدول الموضوعة اختيرت بعناية ورفعها من الضروري أن يتم بعناية أيضا، ولا تكون هناك مخاطر تلوح في الأفق ويمكن أن تعيد هذه الدولة أو تلك إلى المربع الأول. في حالة السودان، ثمة جملة من الهواجس الأميركية تدفع إلى التمهل في عدم رفع اسم الخرطوم، أبرزها ما هو ظاهر ومنتشر في الأدبيات السياسية، وهو أن اللائحة -وما يترتب عليها من عقوبات- تعد سيفا مسلطا على رقبة أي دولة، حتى لو قطعت شوطا جيدا في تحجيم المبررات التي أفضت إلى هذه الخطوة، طالما توجد مخاوف أو ذيول. الأهم أن السودان لم يتخلص تماما من نظام البشير، وأي تهاون -أو تساهل أو تسامح- يمكن أن يقود إلى استعادة نفوذ أتباعه في الدولة، بما يجعل شبح المتطرفين مخيما على السودان، ولذلك بدأت الخرطوم فتح قنوات للتعاون مع الدول المعنية بمكافحة الإرهاب في المنطقة، وأخذت خطوات جادة في سد المنافذ الحدودية مع مصر وليبيا وتشاد، والتي عرفت بأنها طريق آمن للعناصر المتشددة من السودان إلى الخارج. هذا علاوة على أن قضية السلام الشامل لم تتحقق وتنتظرها أشواط طويلة من المفاوضات بين السلطة الانتقالية والجبهة الثورية كمكون رئيسي للفصائل المسلحة، خاصة أن واشنطن وعواصم كثيرة، ترى في نشر السلام إحدى القضايا الأساسية في السودان، لأن بفقدانه خرجت معظم المشكلات التي أرهقت العباد والبلاد، وفي مقدمتها الاعتداء على الحريات وانتهاكات حقوق الإنسان في الأقاليم التي شهدت حروبا وعرة، وتحويل أراضي السودان إلى ملاذ مستقر لتنظيمات متشددة، يحتاج قنصها إلى حزمة من الإجراءات، اتباعها سوف يقود تلقائيا إلى خطوات جادة في حلحلة القائمة الأميركية وخلوها من اسم السودان.

قضية اليوم

رياضة

Go to top