تدswer6689.jpgور معركة كبرى بين موسكو وباريس في السودان، لا تكترث لها وسائل الإعلام كثيراً، إذ يشهد السودان تركيزاً مبالغاً فيه على علاقة الأطراف السودانية مع المحاور الخليجية المتصارعة، وتجاهل علاقات الأطراف نفسها بالمحاور العالمية.

بعد شهر من إعلان الحكومة الإنتقالية التي يرأسها عبدالله حمدوك، يمكن القول إن السودان بات أقرب للغرب لأول مرة منذ سقوط نظام الرئيس جعفر نميري، فرئيس الحكومة عبدالله حمدوك ذو التوجهات الليبرالية، والذي رشحته قوى الحرية والتغيير قام بزيارات متتالية إلى عواصم غربية، من دون الذهاب إلى بكين أو موسكو، كما أصبح من المعتاد رؤية وزراء خارجية أوروبيين في الخرطوم لأول مرة منذ عقود، ما يعني أن السياسات الخارجية للنظام الإنتقالي تحمل انقلابا راديكاليا على تركة السياسة الخارجية للنظام السابق من حيث العلاقة مع الغرب، مع نفور واضح من التعاون مع روسيا والصين والهند، أصدقاء البشير.

هكذا تبدو الصورة للوهلة الأولى: الغرب أصبح يمسك بمفاتيح اللعبة كاملة في السودان ويتفاخر بذلك لدرجة أن بول غوبل مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق للشؤون الروسية جيمس بيكر، كتب بعد أسبوع من الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير أن الروس خسروا الرهان، وأن امبراطوريتهم التي أرادوا بناءها في افريقيا تحطمت بإنقلاب الجيش السوداني على صديقهم البشير، ساخراً من عجز بوتين ومساعده المشهور باسم الطباخ، يفغيني بريغوجين عن حماية صديقه الذي جاء إلى موسكو وطلب حمايته مما وصفه بمؤامرات الولايات المتحدة الأميركية.

رغم هذا الموقف، إلا أن الولايات المتحدة هي أقل الدول الغربية حماسة للتغيير الذي حدث في السودان، بدليل أنها لم تتخذ حتى الآن أي خطوة إيجابية لدعم الحكومة الإنتقالية، وربما يرجع ذلك لطبيعة إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تميل لأنظمة الإستقرار بدلا عن أنظمة الإصلاح الديموقراطي، ولخشية ترامب من أن دعم الديموقراطية في السودان قد تكون رسالة دعم للتحركات الشعبية التي تقوض أمن أصدقائه في المنطقة، خصوصاً "ديكتاتوره المفضل" عبدالفتاح السيسي.

أما الأوربيون، فالوضع مختلف عن الأميركيين قليلاً، إذ كانوا بحاجة لأجهزة قمع البشير لمكافحة الهجرة غير الشرعية ومراقبة القراصنة ومكافحة الإرهاب، وهذه الملفات هي محل اتفاق تام بين الخرطوم وبروكسل، وقد تكفل الإتحاد الأوروبي بتمويل قوات الدعم السريع التي يقودها نائب رئيس المجلس العسكري محمد حمدان حميدتي، لمكافحة الهجرة غير الشرعية ضمن ما أطلق عليه اتفاقية الخرطوم في تجاهل واضح لقضايا حقوق الإنسان، وقضية دارفور التي ذرف عليها الأوروبيين دموع التماسيح.

أما وقد تغير نظام البشير، فهو خبر جيد كونه يخفف من التكلفة الأخلاقية في التعامل مع السودان لكن تبقى اتفاقية عملية الخرطوم قائمة، وتستمر التدفقات المالية لقوات الدعم السريع لمكافحة الهجرة غير الشرعية وصد الطرق والمنافذ المؤدية إلى ليبيا، التي يستغلها تجار البشر لإطلاق المراكب عبر المتوسط إلى أوروبا.

ماذا وراء السباق الفرنسي الروسي؟

من الموقف الأوروبي العام يمكن النظر إلى باريس بشكل مختلف، إذ كان خبر سقوط البشر برداً وسلاماً على باريس، فشواغل الفرنسيين مختلفة قليلاً عن بقية الأوربيين، لأن البشير بالنسبة لهم كان ديكتاتوراً ماكراً عمل على تقويض مناطق النفوذ الفرنسية في منطقة جنوب الصحراء الكبرى تارة بدعم المعارضة التشادية ضد إدريس ديبي حاكم إنجمينا الموالي لفرنسا، وتارة أخرى بالعبث في افريقيا الوسطى بالإضافة إلى السمسرة لصالح الصين في دول إفريقية عديدة، كانت حتى زمن قريب مناطق فرنسية مغلقة.

وكان آخر ما قام به البشير قبل سقوطه هو تشكيله لتحالف من 15 دولة إفريقية للتعاون مع روسيا الإتحادية، وهو ما هدد بشكل جدي النفوذ الفرنسي التاريخي في افريقيا، فخرجت وزيرة الدفاع الفرنسية فلورنس بارلي بتصريحات على صحيفة "جون افريك" لتتهم روسيا بزعزعة الاستقرار هناك، قائلة إن افريقيا للأفريقيين، وإنها لا تخص الروس أكثر من الفرنسيين، وهو ما ردت عليه الخارجية الروسية بالقول إن تصريحات بارلي تصريحات حاقدة من الدور الروسي الإيجابي في افريقيا.

أما موسكو، التي شعرت بورطة ما بعد انقلاب الجيش على البشير في 11 أبريل/نيسان الماضي، لم تتوقع حدوث هذا الإنقلاب، وقدمت شركات روسية استشارات لنظام البشير لمواجهة الإحتجاجات، مستغلة الفترة التي توترت فيها علاقات المجلس العسكري مع الغرب أفضل استغلال للتأكيد على بقاء التعاون بين موسكو والخرطوم كما هو، بل ولمحاولة كسب ود العسكريين فهم الحكام الحقيقيون في العالم الثالث.

ولم تتوانَ روسيا عن اتخاذ قرار الوقوف مع المجلس العسكري الإنتقالي والتلويح باستخدام حق النقض الفيتو، وهو ما كافأه عليها المجلس العسكري بشراء شحنات مختلفة من الأسلحة لصالح قوات الدعم السريع، وتكوين مكتب للتعاون العسكري السوداني الروسي، والاستمرار في استقدام المدربين الروس للجيش السوداني بالإضافة إلى توقيع اتفاق تعاون دفاعي بحري يسمح لسفن البلدين العسكرية باستخدام الموانئ.

إذا، يبدو أن روسيا لم تهزم في السودان بل إنها تتقدم إلى الأمام في العلاقات مع نظام الخرطوم، بل وربما يكون هناك تنسيق مشترك بين البلدين بشأن ليبيا حيث بات حفتر صديقاً مشتركاً لجنرالات السودان وروسيا.

بيد أن فرنسا لم تجلس مكتوفة اليدين، فابتعثت وزير خارجيتها جان ايف لودريان لزيارة الخرطوم بمجرد تكوين الهياكل الإنتقالية، حيث التقى برئيس المجلس السيادي عبدالفتاح برهان، ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك، وقدم للأخير دعوة لزيارة الإليزيه. وقبل انتهاء زيارة وزير الخارجية الفرنسية للخرطوم، أعلن الإليزيه عن تقديم مبلغ 60 مليون يورو لدعم الحكومة الإنتقالية.

أوراق فرنسا

تمتلك فرنسا اوراق لعب كثيرة، أولها الورقة الإقتصادية وهي الأهم للسودان، فقد كان الإقتصاد المتداعي سبباً رئيساً في انفجار الإنتفاضة على البشير، وباريس تملك ما يمكن أن يسيل له لعاب الخرطوم، ابتداء من نفوذها في المؤسسات المالية الدولية، وصولاً إلى الإستثمارات الضخمة في مختلف المجالات.

أما الورقة الثانية، فهي الورقة الأمنية، إذ لا تزال بااريس تحتفظ بعبدالواحد محمد نور، رئيس أحد أكبر الفصائل الدارفورية المسلحة، ومسألة السلام هي من شواغل الحكومة الإنتقالية وبإمكان باريس عبر عبدالواحد منع حدوث هذا السلام، كما فعلت عندما أفشلت من قبل اتفاقية أبوجا عام 2006، واتفاقية الدوحة عام 2011.

الورقة الثالثة هي الورقة السياسية، وهي ورقة إعادة تأهيل الخرطوم لإنخراط أكبر في المنظومة الدولية، فمسألة بقاء السودان في قائمة الإرهاب هي عائق حقيقي أمام السودان ليصبح عضواً أكثر فاعلية في المنظومة الدولية والإقليمية.

وقد استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبدالله حمدوك مؤخراً بحفاوة منقطعة النظير، ثم نظمت وزارة الخارجية الفرنسية لقاء خاصاً بين حمدوك و المتمرد عبدالواحد محمد نور في مقر الخارجية الفرنسية، قيل إنه لقاء شخصي!.

من جانبها وجهت روسيا دعوة لرئيس المجلس السيادي الفريق عبدالفتاح البرهان لزيارة موسكو، وقد وافق الفريق البرهان على الدعوة، على أن يصل الى موسكو بعد زيارة يقوم بها للإمارات.

قضية اليوم

رياضة

Go to top